فصل: الْبَابُ السَّابِعُ فِي جُلُوسِ الْقَاضِي وَمَكَانِ جُلُوسِهِ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الفتاوى الهندية



.الباب الرابع في اختلاف العلماء في اجتهاد الصحابة في زمن رسول الله:

هَلْ يَجُوزُ لِلصَّحَابِيِّ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ: يَجُوزُ وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: يَجُوزُ لِمَنْ كَانَ يَبْعُدُ مِنْهُ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ كَانَ يَقْرُبُ مِنْهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
اخْتَلَفُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كَانَ يَجْتَهِدُ فِيمَا لَمْ يُوحَ إلَيْهِ وَيُفَصِّلُ الْحُكْمَ بِاجْتِهَادِهِ؟ بَعْضُهُمْ قَالُوا: مَا كَانَ يَجْتَهِدُ بَلْ كَانَ يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كَانَ يَرْجِعُ فِيهِ إلَى شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ شَرِيعَتَهُ شَرِيعَةٌ لَنَا مَا لَمْ يُعْرَفْ نَسْخُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كَانَ لَا يَعْمَلُ بِالِاجْتِهَادِ إلَى أَنْ يَنْقَطِعَ طَمَعُهُ عَنْ الْوَحْيِ فَإِذَا انْقَطَعَ حِينَئِذٍ كَانَ يَجْتَهِدُ فَإِذَا اجْتَهَدَ صَارَ ذَلِكَ شَرِيعَةً لَهُ فَإِذَا أُنْزِلَ الْوَحْيُ بِخِلَافِهِ يَصِيرُ نَاسِخًا لَهُ وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَكَانَ لَا يَنْقُضُ مَا أَمْضَى بِالِاجْتِهَادِ وَكَانَ يَسْتَأْنِفُ الْقَضَاءَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.

.الباب الخامس في التقليد والعزل:

إذَا قَلَّدَ السُّلْطَانُ رَجُلًا قَضَاءَ بَلْدَةِ كَذَا لَا يَصِيرُ قَاضِيًا فِي سَوَادِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ مَا لَمْ يُقَلَّدْ قَضَاءَ الْبَلْدَةِ وَنَوَاحِيهَا، وَهَذَا الْجَوَابُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى رِوَايَةِ النَّوَادِرِ؛ لِأَنَّ- عَلَى رِوَايَةِ النَّوَادِرِ- الْمِصْرَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِنَفَاذِ الْقَضَاءِ.
أَمَّا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَالْمِصْرُ شَرْطٌ لِنَفَاذِ الْقَضَاءِ فَلَا يَصِيرُ مُقَلَّدًا عَلَى الْقُرَى، وَإِنْ كُتِبَ فِي مَنْشُورِهِ ذَلِكَ.
إذَا عَلَّقَ السُّلْطَانُ الْإِمَارَةَ، وَالْقَضَاءَ بِالشَّرْطِ أَوْ أَضَافَهَا إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِأَنْ قَالَ: إذَا قَدِمْت بَلْدَةَ كَذَا فَأَنْت قَاضِيهَا، إذَا أَتَيْت مَكَّةَ فَأَنْتَ إمَامٌ لِمَكَّةَ، أَوْ قَالَ جَعَلْتُك قَاضِيًا رَأْسَ الشَّهْرِ جَعَلْتُك أَمِيرًا رَأْسَ الشَّهْرِ فَذَلِكَ جَائِزٌ كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ.
بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَيَجُوزُ تَعْلِيقُ عَزْلِ الْقَاضِي بِالشَّرْطِ أَيْضًا.
وَإِذَا قَلَّدَ السُّلْطَانُ رَجُلًا قَضَاءَ يَوْمٍ يَجُوزُ وَيَتَأَقَّتُ، وَإِذَا قَيَّدَهُ بِالْمَكَانِ يَجُوزُ، وَيَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَيَّدَ الْقَاضِي إنَابَةَ نَائِبِهِ فِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ لَا يَكُونُ لِلنَّائِبِ أَنْ يَقْضِيَ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ.
وَتَعْلِيقُ التَّحْكِيمِ لِإِنْسَانٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَالْإِضَافَةُ إلَى وَقْتِ الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَصِحُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَكَذَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ سَمَاعِ بَعْضِ الْحُكُومَاتِ كَدَعْوَى التَّلْجِئَةِ فِي زَمَانِنَا، أَوْ دَعْوَى شَيْءٍ سَأَلَهُ، أَوْ سَمَاعِ خُصُومَةِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَلَا يَصِيرُ قَاضِيًا فِي الْمُسْتَثْنَى وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَا تَسْمَعْ خُصُومَةَ فُلَانٍ حَتَّى أَرْجِعَ مِنْ سَفَرِي لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ وَيَقْضِيَ حَتَّى يَرْجِعَ وَلَوْ قَضَى لَا يَنْفُذُ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
الْقَاضِي إذَا قَضَى فِي حَادِثَةٍ فِي حَقٍّ، ثُمَّ أَمَرَ السُّلْطَانُ أَنْ يَسْمَعَ هَذِهِ الْحَادِثَةَ ثَانِيًا بِمَشْهَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا يُفْتَرَضُ عَلَى الْقَاضِي ذَلِكَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَالْمِصْرُ شَرْطٌ لِنَفَاذِ الْقَضَاءِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِي النَّوَادِرِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ السُّلْطَانُ إذَا قَالَ: جَعَلْتُك قَاضِيًا وَلَمْ يَذْكُرْ فِي أَيِّ بَلْدَةٍ لَا يَصِيرُ قَاضِيًا فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَصِيرُ قَاضِيًا لِجَمِيعِ بِلَادِ السُّلْطَانِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَالْأَشْبَهُ.
وَإِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلْدَةٍ عَلَى رَجُلٍ وَجَعَلُوهُ قَاضِيًا يَقْضِي فِيمَا بَيْنَهُمْ لَا يَصِيرُ قَاضِيًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَعَقَدُوا مَعَهُ عَقْدَ السَّلْطَنَةِ، أَوْ عَقْدَ الْخِلَافَةِ يَصِيرُ خَلِيفَةً وَسُلْطَانًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
السُّلْطَانُ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: جَعَلْتُك قَاضِيًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ إلَّا إذَا أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ صَرِيحًا، أَوْ دَلَالَةً بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: جَعَلْتُك قَاضِيَ الْقُضَاةِ؛ لِأَنَّ قَاضِيَ الْقُضَاةِ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِي الْقُضَاةِ تَقْلِيدًا وَعَزْلًا كَذَا ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ.
وَأَجَابَ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عَنْ مَحْضَرٍ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِيهِ أَنَّ هَذَا الْقَاضِيَ مُقَلَّدٌ مِنْ جِهَةِ قَاضِي الْقُضَاةِ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ قَاضِيَ الْقُضَاةِ مَأْذُونٌ بِالِاسْتِخْلَافِ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ.
وَكَانَ الْقَاضِي الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْأُوزْجَنْدِيُّ يَقُولُ: إذَا كُتِبَ السِّجِلُّ مِنْ الْحَاكِمِ يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ فِيهِ: خَلِيفَةُ الْحُكْمِ قِبَلَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مَأْذُونٌ بِالِاسْتِخْلَافِ بِحُكْمِ الْمِثَالِ الصَّحِيحِ مِنْ جِهَةِ فُلَانٍ.
إذَا قَالَ السُّلْطَانُ لِرَجُلٍ: جَعَلْتُك نَائِبِي فِي الْقَضَاءِ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَرْتَشِيَ وَلَا تَشْرَبَ الْخَمْرَ وَلَا تَمْتَثِلَ أَمْرَ أَحَدٍ عَلَى خِلَافِ الشَّرْعِ فَالتَّقْلِيدُ صَحِيحٌ، وَالشَّرْطُ صَحِيحٌ، وَإِذَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَا يَبْقَى قَاضِيًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ قُلِّدَ، ثُمَّ وَصَلَ إلَيْهِ أَنْ لَا تَسْمَعَ خُصُومَةَ فُلَانٍ انْعَزَلَ فِي حَقِّ فُلَانٍ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
فِي الْخَانِيَّةِ لَوْ أَنَّ الْإِمَامَ قَلَّدَ رَجُلًا لِلْقَضَاءِ وَأَذِنَ لَهُ بِالِاسْتِخْلَافِ فَأَمَرَ الْقَاضِي رَجُلًا لِيَسْمَعَ الدَّعْوَى، وَالشَّهَادَةَ فِي حَادِثَةٍ، وَيَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ وَيَسْمَعَ الْإِقْرَارَ وَلَا يَحْكُمَ هُوَ بِذَلِكَ لَكِنْ يَكْتُبَ إلَى الْقَاضِي وَيُنْهِيَ إلَيْهِ حَتَّى يَقْضِيَ الْقَاضِي بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْخَلِيفَةِ أَنْ يَحْكُمَ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ مَا أَمَرَهُ الْقَاضِي، وَإِذَا رُفِعَ الْأَمْرُ إلَى الْقَاضِي فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ وَلَا بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ بَلْ يَجْمَعُ الْمُدَّعِيَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَأْمُرُ بِإِعَادَةِ الْبَيِّنَةِ فَإِذَا شَهِدُوا ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْخَصْمَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَقْضِي الْقَاضِي بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ.
قَالَ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ يَغْلَطُ فِيهَا الْقُضَاةُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْتَخْلِفُ رَجُلًا لِيَسْمَعَ الشَّهَادَةَ فِي حَادِثَةٍ، ثُمَّ يَكْتُبَ إلَيْهِ بِكِتَابٍ فَيَفْعَلَ الْخَلِيفَةُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكْتُبَ إلَى الْقَاضِي أَنَّهُمْ شَهِدُوا عِنْدِي بِكَذَا وَيَكْتُبَ أَلْفَاظَ الشَّهَادَةِ أَوْ يَكْتُبَ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا فَيَقْضِيَ الْقَاضِي بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ عِنْدَهُ فَلَا يَصِحُّ هَذَا الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ الْإِقْرَارَ فَكَيْفَ يَقْضِي بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ وَبِذَلِكَ الْإِقْرَارِ بِإِخْبَارِ الْخَلِيفَةِ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ الْخَلِيفَةُ مَعَ آخَرَ عِنْدَ الْقَاضِي عَلَى إقْرَارِهِ وَيَكُونَ فَائِدَةُ هَذَا الِاسْتِخْلَافِ أَنْ يَنْظُرَ الْخَلِيفَةُ هَلْ لِلْمُدَّعِي شُهُودٌ، أَوْ يَكْذِبُ؟ فَلَعَلَّ لَهُ شُهُودًا إلَّا أَنَّهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ وَقَدْ لَا تَتَّفِقُ أَلْفَاظُهُمْ فَيُفَوِّضُ الْقَاضِي النَّظَرَ فِي ذَلِكَ إلَى الْخَلِيفَةِ.
السُّلْطَانُ إذَا قَالَ: قَلَّدْت قَضَاءَ بَلْدَةِ كَذَا زَيْدًا، أَوْ عَمْرًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا تَقْلِيدٌ لِلْمَجْهُولِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
الْقَاضِي إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا فِي الِاسْتِخْلَافِ وَاسْتَخْلَفَ غَيْرَهُ لَا يَنْفُذُ قَضَاءُ خَلِيفَتِهِ سَوَاءٌ كَانَ الِاسْتِخْلَافُ فِي صِحَّتِهِ، أَوْ مَرَضِهِ أَوْ سَفَرِهِ، وَإِنْ اسْتَخْلَفَ غَيْرَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ يَكُونُ خَلِيفَتُهُ قَاضِيًا مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْقَاضِي عَزْلَهُ إلَّا إذَا قَالَ لَهُ الْخَلِيفَةُ وَلِّ مَنْ شِئْت وَاسْتَبْدِلْ مَنْ شِئْت فَحِينَئِذٍ يَمْلِكُ عَزْلَهُ بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ غَيْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ.
الْقَاضِي إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا بِالِاسْتِخْلَافِ فَاسْتَخْلَفَ فَحَكَمَ الْخَلِيفَةُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي بَيْنَ يَدَيْهِ جَازَ وَلَوْ أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي وَحَكَمَ فِي غَيْبَتِهِ فَرُفِعَ قَضَاؤُهُ إلَى الْقَاضِي فَأَجَازَهُ نَفَذَ قَضَاؤُهُ عِنْدَنَا كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَكَذَلِكَ الْقَاضِي إذَا أَجَازَ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
إذَا اُسْتُقْضِيَ الصَّبِيُّ، ثُمَّ أَدْرَكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ، وَالْعَبْدُ إذَا اُسْتُقْضِيَ، ثُمَّ عَتَقَ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ.
وَفِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ سُئِلَ عَنْ سُلْطَانٍ مَاتَ وَاتَّفَقَتْ الرَّعِيَّةُ عَلَى ابْنٍ صَغِيرٍ لَهُ وَجَعَلُوهُ سُلْطَانًا مَا حَالُ الْقُضَاةِ، وَالْخُطَبَاءِ، وَتَقْلِيدِهِ إيَّاهُمْ مَعَ عَدَمِ وِلَايَتِهِ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِاتِّفَاقُ عَلَى وَالٍ عَظِيمٍ فَيَصِيرَ سُلْطَانًا لَهُمْ وَيَكُونَ التَّقْلِيدُ مِنْهُ، وَهُوَ يَعُدُّ نَفْسَهُ تَبَعًا لِابْنِ السُّلْطَانِ وَيُعَظِّمُهُ لِشَرَفِهِ وَيَكُونُ السُّلْطَانُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْوَالِيَ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
السُّلْطَانُ أَمَرَ عَبْدَهُ بِنَصْبِ الْقَاضِي فِي بَلْدَةٍ وَنَصَبَ يَصِحُّ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ مِنْ السُّلْطَانِ وَلَوْ حَكَمَ بِنَفْسِهِ لَا يَصِحُّ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَإِذَا قَالَ الْخَلِيفَةُ، لِوَالِي بَلْدَةٍ (هِرّ كرامي بايدت قضا تَقْلِيد كُنَّ) وَعَرَبِيَّتُهُ: قَلِّدْ مَنْ شِئْت صَحَّ وَلَوْ قَالَ: (كسى را قضا تَقْلِيد كُنَّ) عَرَبِيَّتُهُ: قَلِّدْ أَحَدًا لَا يَصِحُّ.
إذَا قَالَ السُّلْطَانُ لِأَمِيرٍ مِنْ أُمَرَائِهِ: (فُلَان ولايت بتودادم)، أَوْ قَالَ (ترادادم) لَا يَمْلِكُ تَقْلِيدَ الْقَضَاءِ، وَإِنْ جَعَلَهُ أَمِيرًا عَلَى بَلْدَةٍ وَجَعَلَ خَرَاجَهَا لَهُ فَأَطْلَقَ لَهُ التَّصَرُّفَ فِي الرَّعِيَّةِ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا تَقْتَضِيهِ الْإِمَارَةُ فَلَهُ أَنْ يُقَلِّدَ وَأَنْ يَعْزِلَ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
الْإِمَامُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا جَازَ أَحْكَامُهُ وَحُكَّامُهُ وَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ السُّلْطَانِ إذَا كَانَ صَغِيرًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قُرَشِيًّا وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ هَاشِمِيًّا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ قُرَيْشٍ فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَدْلًا أَمِينًا عَالِمًا بِشَرَائِطِ الْقَاضِي.
السُّلْطَانُ الْمُوَلَّى إذَا كَانَ صَبِيًّا فَبَلَغَ هَلْ يَبْقَى سُلْطَانًا أَمْ يُحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدٍ؟ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدٍ.
السُّلْطَانُ إذَا قَلَّدَ رَجُلًا قَضَاءَ بَلْدَةٍ، وَفِيهَا قَاضٍ وَلَمْ يَعْزِلْهُ صَرِيحًا الْأَشْبَهُ أَنْ لَا يَصِيرَ الْأَوَّلُ مَعْزُولًا كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ.
السُّلْطَانُ إذَا قَلَّدَ قَضَاءَ نَاحِيَةٍ إلَى رَجُلَيْنِ فَقَضَى أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ كَالْوَكِيلَيْنِ وَلَوْ قَلَّدَهُمَا عَلَى أَنْ يَتَفَرَّدَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْقَضَاءِ يَجُوزُ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يَعْزِلَ وَيَسْتَبْدِلَ مَكَانَهُ آخَرَ بِرِيبَةٍ وَبِغَيْرِ رِيبَةٍ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّهُ قَالَ: لَا يُتْرَكُ الْقَاضِي عَلَى الْقَضَاءِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَمِنْ حَقِّ السُّلْطَانِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى هَذَا الْقَاضِي إذَا مَضَى عَلَيْهِ حَوْلٌ فَيَقُولَ: لَا فَسَادَ فِيك وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْك أَنْ تَنْسَى الْعِلْمَ فَعُدْ وَادْرُسْ الْعِلْمَ، ثُمَّ عُدْ إلَيْنَا حَتَّى نُقَلِّدَك ثَانِيًا كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
السُّلْطَانُ إذَا عَزَلَ قَاضِيًا لَا يَنْعَزِلُ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الْخَبَرُ حَتَّى لَوْ قَضَى بِقَضَايَا بَعْدَ الْعَزْلِ قَبْلَ وُصُولِ الْخَبَرِ إلَيْهِ جَازَتْ قَضَايَاهُ، وَهُوَ نَظِيرُ الْوَكِيلِ لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ وُصُولِ الْخَبَرِ إلَيْهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لَا يَنْعَزِلُ، وَإِنْ عَلِمَ بِعَزْلِهِ حَتَّى يَتَقَلَّدَ غَيْرُهُ مَكَانَهُ صِيَانَةً لِحُقُوقِ الْعِبَادِ وَاعْتَبَرَهُ بِإِمَامِ الْجُمُعَةِ إذَا عُزِلَ وَهَذَا إذَا حَصَلَ الْعَزْلُ مُطْلَقًا، فَأَمَّا إذَا حَصَلَ الْعَزْلُ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ وُصُولِ الْكِتَابِ إلَيْهِ لَا يَنْعَزِلُ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الْكِتَابُ عَلِمَ الْعَزْلَ قَبْلَ وُصُولِ الْكِتَابِ إلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَإِذَا مَاتَ الْخَلِيفَةُ وَلَهُ قُضَاةٌ وَوُلَاةٌ فَهُمْ عَلَى حَالِهِمْ وَلَيْسَ هَذَا كَالْوَكَالَةِ.
وَفِي هِدَايَةِ النَّاطِفِيِّ لَوْ مَاتَ الْقَاضِي، أَوْ عُزِلَ تَنْعَزِلُ خُلَفَاؤُهُ مِنْ الْقُضَاةِ وَكَذَلِكَ إذَا مَاتَ أَمِيرُ النَّاحِيَةِ انْعَزَلَ قُضَاتُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الْخَلِيفَةُ كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ.
وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى إذَا وَرَدَ الْكِتَابُ مِنْ الْإِمَامِ إلَى عَامِلِ خُرَاسَانَ أَنْ يَجْمَعَ الْفُقَهَاءَ، أَوْ قَوْمًا سَمَّاهُمْ لِيَنْظُرُوا فِي أَمْرِ الْقَاضِي فَإِنْ رَضُوهُ فَأَقْرِرْهُ، وَإِلَّا فَاعْزِلْهُ فَاجْتَمَعُوا فَلَمْ يَرْضَوْا فَأَخَذَ الْعَامِلُ الرِّشْوَةَ وَكَتَبَ أَنَّهُمْ رَضُوهُ وَتُرِكَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَحْكُمَ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْزِلْهُ وَلَوْ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ التَّقْلِيدِ إذَا قَلَّدَهُ فَكَتَبَ أَنَّهُمْ قَدْ رَضُوا وَقَلَّدَهُ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
الْقَاضِي إذَا عَمِيَ، ثُمَّ أَبْصَرَ فَهُوَ عَلَى قَضَائِهِ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ الرِّدَّةِ وَلَكِنْ قَضَاؤُهُ لَا يَنْفُذُ فِي حَالِ عَمَاهُ وَرِدَّتِهِ.
أَرْبَعَةُ خِصَالٍ إذَا حَصَلَتْ بِالْقَاضِي صَارَ مَعْزُولًا ذَهَابُ الْبَصَرِ، وَذَهَابُ السَّمْعِ، وَذَهَابُ الْعَقْلِ، وَالرِّدَّةُ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
إذَا عُزِلَ الْقَاضِي قِيلَ: يَنْعَزِلُ نَائِبُهُ، وَإِذَا مَاتَ لَا، وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ مِنْ السُّلْطَانِ، أَوْ الْعَامَّةِ وَبِعَزْلِ نَائِبِ الْقَاضِي لَا يَنْعَزِلُ الْقَاضِي كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
السُّلْطَانُ إذَا قَلَّدَ رَجُلًا فَرَدَّ الْقَاضِي ذَلِكَ إنْ قَلَّدَهُ مُشَافَهَةً لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ بَعْدَمَا رَدَّ، وَإِنْ قَلَّدَهُ مُغَايَبَةً بِأَنْ بَعَثَ إلَيْهِ مَنْشُورَهُ فَرَدَّهُ، ثُمَّ قَبِلَهُ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ التَّقْلِيدُ بِالرِّسَالَةِ فَرَدَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ السُّلْطَانُ بِالرَّدِّ.
الْقَاضِي إذَا قَالَ: عَزَلْت نَفْسِي، أَوْ أَخْرَجْت نَفْسِي عَنْ الْقَضَاءِ وَسَمِعَ السُّلْطَانَ يَنْعَزِلُ أَمَّا بِدُونِ سَمَاعِ السُّلْطَانِ فَلَا وَكَذَلِكَ إذَا كَتَبَ كِتَابًا إلَى السُّلْطَانِ: إنِّي عَزَلْت نَفْسِي، وَأَتَى الْكِتَابُ السُّلْطَانَ صَارَ الْقَاضِي مَعْزُولًا كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.

.الباب السادس في حكم السلطان والأمراء وما يقع للقاضي لنفسه:

فِي النَّوَازِلِ السُّلْطَانُ إذَا حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ لَا يَنْفُذُ، وَفِي أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ يَنْفُذُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَبِهِ يُفْتَى كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
إذَا كَانَ الْقَاضِي مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ لَا مِنْ قِبَلِ الْأَمِيرِ فَلَيْسَ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَقْضِيَ وَلَوْ قَضَى لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ قَالَ هِشَامٌ سَمِعْت أَبَا يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يَقُولُ: إذَا كَانَ الْقَاضِي مِنْ الْأَصِيلِ يَعْنِي مِنْ الْخَلِيفَةِ، ثُمَّ مَاتَ فَلَيْسَ لِلْأَمِيرِ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيًا، وَإِنْ كَانَ أَمِيرًا بِعُشْرِهَا وَخَرَاجِهَا، وَإِنْ حَكَمَ هَذَا الْأَمِيرُ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ وَكَذَا إنْ وَلَّى هَذَا الْأَمِيرُ قَاضِيًا مِنْ قِبَلِهِ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ فَإِنْ جَاءَ هَذَا الْقَاضِيَ الَّذِي وَلَّاهُ هَذَا الْأَمِيرُ كِتَابُ الْخَلِيفَةِ مِنْ الْأَصِيلِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إمْضَاءً لِلْقَضَاءِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ الْقَاضِي إذَا كَانَتْ لَهُ خُصُومَةٌ عَلَى إنْسَانٍ فَخَاصَمَ عِنْدَ خَلِيفَتِهِ فِي الْحُكْمِ فَقَضَى لَهُ هَلْ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ قَالَ لَا؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْخَلِيفَةِ لَهُ كَقَضَاءٍ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِمِثْلِ هَذَا أَنْ يَطْلُبَ مِنْ السُّلْطَانِ الَّذِي وَلَّاهُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيًا آخَرَ حَتَّى يَخْتَصِمَا إلَيْهِ فَيَقْضِيَ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَتَحَاكَمَا إلَى حَاكِمٍ يَحْكُمُ وَيَتَرَاضَيَا بِقَضَائِهِ فَيَقْضِيَ بَيْنَهُمَا وَيَنْفُذَ، وَمِنْ الْمَشَايِخِ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ، وَقَالَ بِنَفَاذِ حُكْمِ خَلِيفَتِهِ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَفِي النَّوَازِلِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقَدْ ذَكَرَ ثَمَّةَ: رَجُلٌ خَاصَمَ السُّلْطَانَ إلَى الْقَاضِي فَجَلَسَ السُّلْطَانُ مَعَ الْقَاضِي فِي مَجْلِسِهِ، وَالْخَصْمُ عَلَى الْأَرْضِ قَالَ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقُومَ مِنْ مَكَانِهِ وَيُجْلِسَ خَصْمَ السُّلْطَانِ فِيهِ وَيَقْعُدَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا وَقَدْ صَحَّ أَنَّ يَهُودِيًّا ادَّعَى عَلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ دَعْوَى فِي زَمَنِ أَبِي يُوسُفَ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فَسَمِعَ أَبُو يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- خُصُومَتَهُ عَلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّ عَلِيًّا- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَلَّدَ شُرَيْحًا وَخَاصَمَ عِنْدَهُ فِي حَادِثَةٍ قَالَ الْخَصَّافُ لَوْ أَنَّ قَاضِيًا قَضَى لِلْإِمَامِ الَّذِي وَلَّاهُ بِقَضِيَّةٍ، أَوْ قَضَى عَلَيْهِ بِقَضِيَّةٍ جَازَ وَكَذَلِكَ لَوْ قَضَى لِوَلَدِ الْإِمَامِ، أَوْ وَالِدِهِ، أَوْ زَوْجَتِهِ، وَكَذَلِكَ قَاضِي الْقُضَاةِ لَوْ خَاصَمَ إلَى قَاضٍ وَلَّاهُ فَقَضَى لَهُ، أَوْ عَلَيْهِ جَازَ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ الْإِمَامَ وَلَّى الْقَاضِيَ عَلَى مِثْلِ خُرَاسَانَ فَأَمَرَ أَنْ يُوَلِّيَ قُضَاةً عَلَى الْكُوَرِ فَفَعَلَ، ثُمَّ خَاصَمَ الْقَاضِي الْأَعْلَى بَعْضَ مَنْ وَلَّاهُ فَقَضَاؤُهُ جَائِزٌ لَهُ وَعَلَيْهِ.
وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا ذَكَرَ هِشَامٌ فِي نَوَادِرِهِ قَالَ سَأَلْت مُحَمَّدًا- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عَنْ قَاضٍ وَجَبَتْ لَهُ شُفْعَةُ جِوَارٍ قِبَلَ رَجُلٍ فَلَمْ يُعْطِهَا إيَّاهُ وَجَحَدَ، وَالْوَالِي الَّذِي فِي بَلَدِهِ لَيْسَ مِمَّنْ يُوَلَّى الْقَضَاءَ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: يَنْبَغِي، لِلْوَالِي أَنْ يَقُولَ لَهُمَا: اخْتَارَا رَجُلًا لِيَحْكُمَ بَيْنَكُمَا قُلْت: فَإِنْ أَبَى الرَّجُلُ ذَلِكَ أَيُجْبَرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَدْ أَشَارَ إلَى التَّحْكِيمِ وَلَمْ يَقُلْ بِأَنَّ خَلِيفَةَ الْقَاضِي يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا، وَجَوَازُ التَّحْكِيمِ مِنْ الْقَاضِي عُرِفَ بِأَثَرِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ حَكَّمَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فِي خُصُومَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَحَكَّمَ شُرَيْحًا فِي خُصُومَةٍ أُخْرَى كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
قَالَ هِشَامٌ: سَأَلْت مُحَمَّدًا- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عَنْ قَاضِي الْبَلْدَةِ إذَا مَاتَ- وَوَالِيهَا مِمَّنْ لَا يُوَلَّى الْقَضَاءَ- أَيُجْبَرُ الْخُصُومُ عَلَى رَجُلٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: أَمَّا كُلُّ شَيْءٍ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى أَنْ يَرْجِعَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ إلَى آخَرَ فَلَا يَجُوزُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ قَرْضٍ أَوْ غَصْبٍ فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ.
وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا خَاصَمَ ابْنُ الْقَاضِي غَيْرَهُ إلَيْهِ، أَوْ خَاصَمَ غَيْرُهُ ابْنَهُ إلَيْهِ يَنْظُرُ فِيهِ فَإِنْ تَوَجَّهَ الْقَضَاءُ عَلَى ابْنِهِ يَقْضِي عَلَى ابْنِهِ، وَإِنْ تَوَجَّهَ لِابْنِهِ يَتْرُكُهُمَا وَيَقُولُ لَهُمَا: اخْتَصِمَا إلَى غَيْرِي كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْقَاضِي لِلْأَمِيرِ الَّذِي وَلَّاهُ وَكَذَلِكَ قَضَاءُ الْقَاضِي الْأَسْفَلِ لِلْقَاضِي الْأَعْلَى وَلِلْقَاضِي الْأَسْفَلِ.
وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْقَاضِي لِأُمِّ امْرَأَتِهِ بَعْدَمَا مَاتَتْ امْرَأَتُهُ وَلَا يَجُوزُ إنْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ حَيَّةً، وَكَذَا لَوْ قَضَى لِامْرَأَةِ أَبِيهِ بَعْدَمَا مَاتَ الْأَبُ جَازَ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ حَيًّا لَا يَجُوزُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
الْإِمَامُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ بِحَدِّ الْقَذْفِ، وَالْقِصَاصِ، وَالتَّعْزِيرِ كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ.

.الْبَابُ السَّابِعُ فِي جُلُوسِ الْقَاضِي وَمَكَانِ جُلُوسِهِ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ:

الْحَاكِمُ يَجْلِسُ لِلْقَضَاءِ جُلُوسًا ظَاهِرًا فِي الْمَسْجِدِ كَيْ لَا يَشْتَبِهَ مَكَانُهُ عَلَى الْغُرَبَاءِ وَبَعْضِ الْمُقِيمِينَ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَالْمَسْجِدُ الْجَامِعُ أَوْلَى، ثُمَّ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَاتُ، وَإِنْ لَمْ تُصَلَّ فِيهِ الْجُمُعَةُ كَذَا فِي النَّهْرِ الْفَائِقِ قَالَ الشَّيْخُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هَذَا إذَا كَانَ الْجَامِعُ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ أَمَّا إذَا كَانَ فِي طَرَفٍ مِنْ الْبَلْدَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ مَسْجِدًا آخَرَ فِي وَسَطِ الْبَلْدَةِ كَيْ لَا يَلْحَقَ لِبَعْضِ الْخُصُومِ مَشَقَّةُ الذَّهَابِ إلَى طَرَفِ الْبَلْدَةِ، وَإِنْ جَلَسَ فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي مَسْجِدِ حَيِّهِمْ، قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: هَذَا إذَا كَانَ مَسْجِدُ حَيِّهِ فِي وَسَطِ الْبَلْدَةِ وَيَخْتَارُ مَسْجِدَ السُّوقِ؛ لِأَنَّهُ أَشْهَرُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
فَإِذَا دَخَلَ الْقَاضِي الْمَسْجِدَ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْدَأَ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا- وَالْأَرْبَعُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةُ النَّهَارِ- ثُمَّ يَدْعُوَ اللَّهَ- تَعَالَى- أَنْ يُوَفِّقَهُ وَيُسَدِّدَهُ لِلْحَقِّ وَيَعْصِمَهُ مِنْ مَعَاصِيهِ، ثُمَّ يَجْلِسَ لِلْحُكْمِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُجْلِسَ مَعَهُ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ، وَالْكَرَامَةِ أَجْلَسَهُمْ قَرِيبًا مِنْهُ وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْأَمَانَةِ يَكُونُونَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَجْلِسَ وَحْدَهُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْقَضَاءِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُقْعِدَ مَعَهُ أَهْلَ الْعِلْمِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَيُشَاوِرُهُمْ كَذَا فِي النَّهْرِ الْفَائِقِ.
وَلَا يُشَاوِرُهُمْ عِنْدَ الْخُصُومَةِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَيَضَعُ الْقِمَطْرَ إلَى جَانِبِهِ عَنْ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ السِّجِلَّاتِ، وَالْمُحَاضِرَ، وَالصُّكُوكَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُعَدًّا بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَيُجْلِسُ كَاتِبَهُ فِي نَاحِيَةٍ عَنْهُ حَيْثُ يَرَاهُ حَتَّى لَا يُخْدَعَ بِالرِّشْوَةِ فَيَزِيدَ فِي أَلْفَاظِ الشَّهَادَةِ أَوْ يَنْقُصَ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
لَوْ جَلَسَ فِي دَارِهِ لَا بَأْسَ بِهِ وَيَأْذَنُ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ فِيهَا وَيَجْلِسُ مَعَهُ مَنْ كَانَ يَجْلِسُ قَبْلَ ذَلِكَ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ الدَّارُ فِي وَسَطِ الْبَلْدَةِ كَالْمَسْجِدِ كَذَا فِي النَّهْرِ الْفَائِقِ.
ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْضِيَ فِي مَنْزِلِهِ، أَوْ حَيْثُ أَحَبَّ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْقَضَاءِ لَا يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَلَوْ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَنَا لَوْ كَانَ فِي وَسَطِ الْبَلْدَةِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي الْخَانِيَّةِ فَإِذَا جَلَسَ الْقَاضِي فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ فِي دَارِهِ يَأْخُذُ بَوَّابًا لِيَمْنَعَ الْخُصُومَ مِنْ الِازْدِحَامِ وَلَا يُبَاحُ لِلْبَوَّابِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا لِيَأْذَنَ بِالدُّخُولِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة ثُمَّ إذَا قَضَى فِي الْمَسْجِدِ خَرَجَ لِلْحَائِضِ، وَالدَّابَّةِ وَلَا يَضْرِبُ فِي الْمَسْجِدِ حَدًّا وَلَا تَعْزِيرًا كَذَا فِي النَّهْرِ الْفَائِقِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْعُدَ عَلَى الطَّرِيقِ إذَا كَانَ لَا يَضِيقُ بِالْمَارَّةِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
إذَا دَخَلَ الْقَاضِي الْمَسْجِدَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْخُصُومِ يُرِيدُ بِهِ تَسْلِيمًا عَامًّا، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ تَرَكَ وَسِعَهُ لِتَبْقَى الْهَيْبَةُ وَيَكْثُرَ الْحِشْمَةُ وَلِهَذَا جَرَى الرَّسْمُ أَنَّ الْوُلَاةَ، وَالْأُمَرَاءَ إذَا دَخَلُوا لَا يُسَلِّمُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ وَلَا يَسَعَهُ التَّرْكُ وَهَكَذَا، الْوَالِي، وَالْأَمِيرُ إذَا دَخَلَا عَلَيْهِمَا أَنْ يُسَلِّمَا وَلَا يَسَعَهُمَا التَّرْكُ هَذَا هُوَ الْكَلَامُ فِي وَقْتِ الدُّخُولِ فَأَمَّا إذَا جَلَسَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ لِلْفَصْلِ، وَالْحُكْمِ لَا يُسَلِّمُ عَلَى الْخُصُومِ وَلَا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَعَنْ هَذَا قَالَ بَعْضُ.
مَشَايِخِنَا: مِنْ هَذَا جَرَى الرَّسْمُ أَنَّ النَّاسَ مَتَى دَخَلُوا عَلَى الْوُلَاةِ، وَالْأُمَرَاءِ لَا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ عَلَى النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ مَتَى جَلَسَ لِلْحُكْمِ لَا يُسَلِّمُ وَلَا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، فَالْوَالِي، وَالْأَمِيرُ أَوْلَى وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنُّوا، وَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّاسَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يُسَلِّمُونَ عَلَى النَّاسِ بِخِلَافِ الْقَاضِي، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَالِيَ، وَالْأَمِيرَ إنَّمَا جَلَسَا لِلزِّيَارَةِ لَا لِلْفَصْلِ، وَالْحُكْمِ، وَالسَّلَامُ تَحِيَّةُ الزَّائِرِينَ فَأَمَّا الْقَاضِي فَإِنَّمَا جَلَسَ لِلْفَصْلِ، وَالْحُكْمِ لَا لِلزِّيَارَةِ فَلَا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، وَإِنْ سَلَّمُوا مَعَ هَذَا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ السَّلَامَ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ السَّلَامِ بَلْ يَتَخَيَّرُ إنْ شَاءَ رَدَّ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرُدَّ كَذَا فِي أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ.
وَإِنْ أَرَادَ الْقَاضِي جَوَابَهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى قَوْلِهِ وَعَلَيْكُمْ، وَيُسَلِّمُ الشَّاهِدُ عَلَى الْقَاضِي وَيَرُدُّ عَلَيْهِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْبُخَارِيِّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ جَلَسَ لِتَفَقُّهِ تَلَامِيذِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ دَاخِلٌ وَسَلَّمَ وَسِعَهُ أَنْ لَا يَرُدَّ السَّلَامَ، وَكَذَا كَانَ يَقُولُ فِيمَنْ جَلَسَ لِلذِّكْرِ أَيَّ ذِكْرٍ كَانَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ دَاخِلٌ وَسَلَّمَ وَسِعَهُ أَنْ لَا يَرُدَّ السَّلَامَ، وَإِذَا جَلَسَ الْقَاضِي لِفَصْلِ الْخُصُومَاتِ يَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلٌ يَمْنَعُ النَّاسَ عَنْ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِمْ، يَمْنَعُهُمْ عَنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ، وَيُقَالُ لَهُ صَاحِبُ الْمَجْلِسِ وَلَهُ أَسَامٍ: الشُّرْطِيُّ، وَالْعَرِيفُ، وَالْجِلْوَازُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَهُ سَوْطُ الْأَدَبِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَمِينًا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ طَمَّاعًا حَتَّى لَا.
يَرْتَشِيَ فَلَا يَمِيلَ إلَى بَعْضِ الْخُصُومِ وَلَا يَتْرُكَ تَأْدِيبَهُ إذَا أَسَاءَ الْأَدَبَ، وَإِذَا جَلَسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي وَرَأَى الْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ صَاحِبَ الْمَجْلِسِ لِيَقُومَ بِبُعْدٍ مِنْهُ حَتَّى لَا يَعْرِفَ مَا يَدُورُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَبَيْنَ الْقَاضِي- وَلَا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ- وَلَا يُلَقِّنَهُ شَيْئًا فَعَلَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُونًا وَتَرَكَهُ بِقُرْبٍ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَعْمَلُ مَا فِيهِ النَّظَرُ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي أُمُورِ النَّاسِ وَلَا يَنْبَغِي لِهَذَا الرَّجُلِ أَنْ يُسَارَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يَبْعَثَ أَمِينًا إلَى مَوْضِعِ جُلُوسِهِ قَبْلَ مَجِيئِهِ فَيَحْفَظَ مَنْ جَاءَ أَوَّلًا فَأَوَّلًا فَيُقَدِّمَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُقَدِّمَ وَاحِدًا عَلَى مَنْ جَاءَ قَبْلَهُ لِفَضْلِ مَنْزِلَتِهِ، أَوْ سَلْطَنَتِهِ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَبْدَأَ بِالْغُرَبَاءِ فَعَلَ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِمْ كَثْرَةٌ بِحَيْثُ يَشْغَلُونَهُ عَنْ أَهْلِ الْمِصْرِ قَدَّمَهُمْ عَلَى مَنَازِلِهِمْ مَعَ النَّاسِ وَيُقَدِّمُ النِّسَاءَ عَلَى حِدَةٍ، وَالرِّجَالَ عَلَى حِدَةٍ، وَإِنْ جَعَلَ لِلنِّسَاءِ يَوْمًا عَلَى حِدَةٍ فَهُوَ أَسْتَرُ لَهُنَّ كَذَا فِي الْحَاوِي.
(فِقْهٌ حَنَفِيٌّ) قَالَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- الَّذِي يَرْجِعُ مِنْ لَيْلِهِ إلَى أَهْلِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُقِيمِ، وَاَلَّذِي يَبِيتُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ بِمَنْزِلَةِ الْغَرِيبِ إلَّا أَنَّ الْغَرِيبَ- يَعْنِي الْمُسَافِرَ- أَشَدُّ حَالًا فِي الْمُحِيطِ.
وَإِذَا رَأَى التَّقْدِيمَ لِأَجْلِ الْغُرْبَةِ لَا يُصَدِّقُهُ فِي قَوْلِهِ: إنِّي غَرِيبٌ عَازِمٌ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى وَطَنِي لَكِنَّهُ يَسْأَلُهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ غَرِيبٌ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لَكِنْ لَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَشَهَادَةُ الْمَسْتُورِ تَكْفِي، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إنَّ الْقَاضِيَ يَسْأَلُهُ مَعَ مَنْ يُرِيدُ السَّفَرَ فَيَسْأَلُ الرُّفْقَةَ أَنَّهُمْ مَتَى يَخْرُجُونَ، وَأَنَّ.
فُلَانًا هَلْ يَخْرُجُ مَعَهُمْ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ الْعُذْرُ، وَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَى بَابِ الْقَاضِي أَرْبَابُ الشُّهُودِ وَالْأَيْمَانِ، وَالْغُرَبَاءُ، وَالنِّسَاءُ فَقَدَّمَ الْقَاضِي أَرْبَابَ الشُّهُودِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ قَدَّمَ أَرْبَابَ الْأَيْمَانِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ قَدَّمَ الْغُرَبَاءَ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنْ قَدَّمَ النِّسَاءَ فَلَهُ ذَلِكَ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ الْخَصْمَانِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَجْلِسِ وَيُجْلِسَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَيُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ، وَالْكَلَامِ وَلَا يُسَارُّ أَحَدَهُمَا وَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
بِيَدِهِ وَلَا بِرَأْسِهِ وَلَا بِحَاجِبِهِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
وَلَا يَضْحَكُ فِي وَجْهِ أَحَدِهِمَا كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
وَيَجْتَنِبُ الْمُزَاحَ مُطْلَقًا مَعَهُمَا، أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا، أَوْ مَعَ غَيْرِهِمَا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَلَا يُكْثِرُ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِالْمَهَابَةِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَطْلُقَ بِوَجْهِهِ إلَى أَحَدِهِمَا فِي شَيْءٍ مِنْ النُّطْقِ مَا لَا يَفْعَلُ بِالْآخَرِ مِثْلَهُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ كَانَ مَيْلُ قَلْبِهِ إلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَأَحَبَّ أَنْ يُظْهِرَ حُجَّتَهُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِيهِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِالتَّسْوِيَةِ فِيمَا يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى التَّسْوِيَةِ، وَفِيمَا فِي وُسْعِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَقْدِرُ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِيهِ لَا يُعْذَرُ بِتَرْكِهَا فِيهِ، وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّسْوِيَةِ فِيهِ لَا يُؤَاخَذُ بِتَرْكِ التَّسْوِيَةِ فِيهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا سُلْطَانًا أَوْ عَالِمًا فَجَلَسَ السُّلْطَانُ مَجْلِسَهُ، وَالْخَصْمُ عَلَى الْأَرْضِ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقُومَ مِنْ مَكَانِهِ وَيَجْلِسَ عَلَى الْأَرْضِ وَيُجْلِسَ خَصْمَهُ فِي مَكَانِهِ كَيْ لَا يَكُونَ تَفْضِيلًا عَلَى الْآخَرِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَلَا يُضَيِّفُ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَصْمُهُ مَعَهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
وَلَا يُكَلِّمُ أَحَدَهُمَا بِلِسَانٍ لَا يَعْرِفُهُ الْآخَرُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَفِي مُخْتَصَرِ خُوَاهَرْ زَادَهْ: وَلَا يَخْلُو بِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ فِي مَنْزِلِهِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَ مَا يُؤَدِّي إلَى التُّهْمَةِ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَيْ يُعْرِضَ عَنْهُ بَعْدَمَا كَانَ مُقْبِلًا عَلَيْهِمَا، وَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ بِأَنْ يَدْخُلَ مَنْزِلَهُ.
وَمَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ خُصُومَةٌ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْقَاضِي بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ لِلسَّلَامِ، أَوْ لِحَاجَةٍ تَعْرِضُ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَلَا يُقْعِدُ أَحَدَهُمَا مِنْ جَانِبِ الْيَمِينِ، وَالْآخَرَ مِنْ جَانِبِ الْيَسَارِ؛ لِأَنَّ جَانِبَ الْيَمِينِ أَفْضَلُ فَيَكُونُ تَقْدِيمًا لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ بَيْنَ الْكَبِيرِ، وَالصَّغِيرِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَوِّيَ فِيهِ بَيْنَ الْأَبِ، وَالِابْنِ وَبَيْنَ الْخَلِيفَةِ، وَالرَّعِيَّةِ وَبَيْنَ الذِّمِّيِّ، وَالشَّرِيفِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
قَالَ صَاحِبُ الْأَقْضِيَةِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُمَا بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي عَلَى قَدْرِ ذِرَاعَيْنِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَهُمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَا أَصْوَاتَهُمَا.
وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا جَلَسَ فِي الْمَجْلِسِ أَنْ يَسْتَنِدَ ظَهْرُهُ إلَى الْمِحْرَابِ وَكَانَ الرَّسْمُ فِي زَمَنِ الْخَصَّافِ وَغَيْرِهِ أَنْ يَجْلِسَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ، وَرَسْمُ زَمَانِنَا أَحْسَنُ وَتَقِفُ أَعْوَانُ الْقَاضِي بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي لِيَكُونَ أَهْيَبَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ قِيَامُهُمْ بِبُعْدٍ مِنْ الْقَاضِي حَتَّى لَا يَسْمَعُوا مَا يَدُورُ بَيْنَ الْقَاضِي وَبَيْنَ مَنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِ مِنْ الْخُصُومِ، وَلَا يَعْرِفُوا رَأْيَ الْقَاضِي فِي بَعْضِ مَا يَقَعُ لَهُمْ مِنْ الْمَسَائِلِ وَلَا يَحْتَالُونَ لِإِبْطَالِهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
إذَا تَقَدَّمَ خَصْمَانِ سَأَلَ الْمُدَّعِيَ عَنْ دَعْوَاهُ هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَصَاحِبُ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ أَبُو جَعْفَرٍ وَهَذَا فَصْلٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ بَعْضُهُمْ قَالَ: لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ الْمُدَّعِيَ عَنْ دَعْوَاهُ وَلَكِنْ يَسْكُتُ وَيَسْمَعُ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَسْأَلُ وَبِهِ أَخَذَ الْخَصَّافُ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَصَاحِبُ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي مَحَاضِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى، وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- الْقَاضِي يَسْأَلُ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لَا يَسْأَلُ بَلْ يَسْكُتُ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ: وَإِذَا جَلَسَ الْخُصُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يَسْتَنْطِقُهُمْ فَيَقُولُ أَيُّكُمَا الْمُدَّعِي فَإِذَا عَرَفَ الْمُدَّعِيَ يَقُولُ لَهُ: مَاذَا تَدَّعِي، وَقَالَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَرْفَقُ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
فَإِذَا حَضَرَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ بَدَأَهُمَا بِالْكَلَامِ فَقَالَ: مَا لَكُمَا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُمَا حَتَّى يَبْدَآهُ بِالنُّطْقِ، وَهُوَ أَحْسَنُ كَيْ.
لَا يَكُونَ مُهَيِّجًا لِلْخُصُومَةِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
ثُمَّ إذَا سَأَلَهُ، أَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَلَكِنْ ادَّعَى بِنَفْسِهِ سَأَلَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ دَعْوَى الْمُدَّعِي هَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْأَقْضِيَةِ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّ الْقَاضِيَ يَكْتُبُ دَعْوَى الْمُدَّعِي فِي الصَّحِيفَةِ وَيَنْظُرُ فِيهِ أَصَحِيحٌ هُوَ أَمْ فَاسِدٌ؟ فَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لَا يُقْبِلُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَقُولُ لِلْمُدَّعِي: قُمْ فَصَحِّحْ دَعْوَاك هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ أَدَبِ الْقَاضِي، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ وَبِهِ أَخَذَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- وَلَكِنْ يَقُولُ: دَعْوَاك هَذِهِ فَاسِدَةٌ فَلَا يَلْزَمُنِي سَمَاعُهَا، وَهَذَا لَيْسَ بِتَلْقِينٍ بَلْ فَتْوَى بِالْفَسَادِ، وَإِنْ كَانَتْ دَعْوَاهُ صَحِيحَةً فَالْقَاضِي يَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَقُولُ: إنَّ خَصْمَك ادَّعَى عَلَيْك كَذَا وَكَذَا فَمَاذَا تَقُولُ؟ هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَصَاحِبُ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ، وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- أَيْضًا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي، فَإِنَّ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- لَا يَسْأَلُهُ الْقَاضِي الْجَوَابَ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَيْهِ لِيَأْتِيَ بِالْجَوَابِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
فَإِذَا تَكَلَّمَ صَاحِبُ الدَّعْوَى أَسْكَتَ الْآخَرَ وَاسْتَمَعَ مِنْ صَاحِبِ الدَّعْوَى حَتَّى يَفْهَمَ حُجَّتَهُ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا تَكَلَّمَا مَعًا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَفْهَمَ كَلَامَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِالسُّكُوتِ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَسْتَنْطِقُ الْآخَرَ وَهَذَا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَنْطِقُ الْآخَرَ، وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْ الْمُدَّعِيَ ذَلِكَ، وَاخْتَارَ بَعْضُ الْقُضَاةِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ سُؤَالِ الْمُدَّعِي، وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَسْتَنْطِقُ الْآخَرَ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَمِسْ الْمُدَّعِي ذَلِكَ كَذَا.
فِي السِّغْنَاقِيِّ.
وَلَا يُلَقِّنُ الشُّهُودَ بِقَوْلِهِ أَتَشْهَدُ بِكَذَا وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِيمَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ كَمَا إذَا كَانَ أَمِينًا عَادِلًا لَا يَكْسِبُ بِتَلْقِينِهِ عِلْمًا، وَرُبَّمَا يَحْصَرُ عَنْ الْكَلَامِ لِحِشْمَةِ الْقَاضِي وَمَهَابَةِ الْمَجْلِسِ فَكَانَ فِي تَلْقِينِهِ إحْيَاءُ حَقِّ الْمُسْلِمِ.
فِي الْقُنْيَةِ، وَالْخِزَانَةِ: إنَّ الْمَسَائِلَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ الْفَتْوَى فِيهَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إذْ حَصَلَ لَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ بِالتَّجْرِبَةِ كَذَا فِي شَرْحِ أَبِي الْمَكَارِمِ لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُلَقِّنَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ حُجَّةً وَلَكِنْ إذَا طُلِبَ يَمِينُهُ فَحِينَئِذٍ جَاءَ، أَوْ أَنَّ الِاسْتِحْلَافَ إنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ فَيَسْأَلُهُ عِنْدَ ذَلِكَ أَلَك بَيِّنَةٌ؟ وَفِي النَّوَازِلِ سُئِلَ أَبُو نَصْرٍ عَنْ رَجُلَيْنِ تَقَدَّمَا إلَى الْقَاضِي فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنَّ لِي عَلَى هَذَا الرَّجُلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، قَالَ: سَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَقَدَّمَ رَجُلَانِ إلَى يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنَّ لِي عَلَى هَذَا أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: قَدْ أَخْبَرْتنِي خَبَرًا فَمَا تَشَاءُ، يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى غَيْرُ صَحِيحَةٍ مَا لَمْ يَقُلْ: مُرْهُ لِيُعْطِيَنِي حَقِّي، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، قَالَ أَبُو نَصْرٍ: وَهَذَا عِنْدَنَا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَهَذَا مِمَّا لَا يُجْحَدُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَقَدَّمَا إلَّا لِلطَّلَبِ، ثُمَّ إذَا سَمِعَ جَوَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَتَبَ جَوَابَهُ فِي قِرْطَاسٍ أَوْ أَمَرَ الْكَاتِبَ أَنْ يَكْتُبَ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَضَرَ الْقَاضِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ يَوْمَ كَذَا بِكَذَا لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا، ثُمَّ إنْ كَانَ الْقَاضِي يَعْرِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْمُدَّعِيَ أَثْبَتَهُمَا فِي رُقْعَةٍ مُعَرِّفَةٍ، وَكَتَبَ: حَضَرَ فُلَانٌ وَأَحْضَرَ مَعَهُ.
فُلَانًا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُمَا أَرْسَلَ الْكِتَابَةَ إرْسَالًا وَكَتَبَ حَضَرَ رَجُلٌ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ يَنْسُبُهُ إلَى أَبِيهِ وَجَدِّهِ أَوْ إلَى مَوَالِيهِ فَيَكْتُبُ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ تِجَارَةٌ، أَوْ صِنَاعَةٌ يُعْرَفُ بِهَا يُنْسَبُ إلَيْهَا زِيَادَةً فِي التَّعْرِيفِ، وَكَذَلِكَ يُحَلِّيهِ زِيَادَةً فِي التَّعْرِيفِ وَلَكِنْ يُحَلِّيهِ بِمَا يَزِينُهُ لَا بِمَا يَشِينُهُ وَأَحْضَرَ رَجُلًا ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانٌ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي، ثُمَّ يَكْتُبُ: فَادَّعَى فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ- يَعْنِي الْمُدَّعِيَ الَّذِي حَضَرَ- عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ- يَعْنِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي أَحْضَرَهُ مَعَهُ- كَذَا وَكَذَا يَكْتُبُ دَعْوَاهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ، ثُمَّ يَكْتُبُ فَيَسْأَلُ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ عَمَّا ادَّعَى عَلَيْهِ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مِنْ الدَّعْوَى الْمَوْصُوفَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِهِ كَتَبَ إقْرَارَهُ، وَفِي الْخَانِيَّةِ وَيَأْمُرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِإِيفَاءِ الْحَقِّ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَإِنْ كَانَ قَدْ جَحَدَ يَكْتُبُ جُحُودَهُ لِيُعْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ هَلْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْأَلَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ الْجُحُودَ بِلَفْظِهِ وَلَا يُحَوِّلَهُ إلَى لِسَانِ الْعَرَبِيَّةِ إلَّا إذَا أَمْكَنَ أَنْ يُحَوَّلَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ وَمَنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ كَلِمَةٌ مُبْهَمَةٌ مُشْتَرَكَةٌ فَإِنَّ الْجُحُودَ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ فَإِنَّ الْمُودَعَ إذَا جَحَدَ الْإِيدَاعَ أَصْلًا، ثُمَّ ادَّعَى الرَّدَّ، أَوْ الْهَلَاكَ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَلَوْ قَالَ: لَيْسَ عَلَيَّ تَسْلِيمُ مَا ادَّعَيْت وَلَا قِيمَتُهَا، ثُمَّ ادَّعَى الْهَلَاكَ، أَوْ الرَّدَّ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ فَيَكْتُبُ عِبَارَتَهُ بِلِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ حَتَّى يَبْنِيَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا رَسْمُ قُضَاةِ دِيَارِ الْخَصَّافِ.
وَصَاحِبِ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَعُرْفُ زَمَانِهِمَا.
وَالْقُضَاةُ فِي زَمَانِنَا عَلَى رَسْمٍ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ فِي زَمَانِنَا يَأْتِي كَاتِبَ بَابِ الْقَاضِي حَتَّى يَكْتُبَ دَعْوَاهُ فِي بَيَاضٍ فَيَكْتُبَ: حَضَرَ الْقَاضِي، يَكْتُبُ اسْمَ الْقَاضِي الَّذِي يَرْفَعُ إلَيْهِ الْحَادِثَةَ وَيَتْرُكُ مَوْضِعَ التَّارِيخِ، ثُمَّ يَكْتُبُ اسْمَ الْمُدَّعِي وَنَسَبَهُ، وَيَكْتُبُ اسْمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَنَسَبَهُ وَيَكْتُبُ دَعْوَاهُ بِشَرَائِطِهَا، ثُمَّ يَتْرُكُ مَوْضِعَ الْجَوَابِ فَإِذَا جَلَسَ الْمُدَّعِي أَوْ وَكِيلُهُ لِلْخُصُومَةِ- يُدْعَى وَكِيلَهُ مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ- وَيَسْأَلُ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابَ عَنْ دَعْوَاهُ فَإِذَا أَجَابَهُ بِالْإِقْرَارِ، أَوْ بِالْإِنْكَارِ دَفَعَ الْبَيَاضَ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَكْتُبَ التَّارِيخَ فِي أَوَّلِهِ، وَالْجَوَابَ فِي آخِرِهِ بِعِبَارَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْجَوَابُ بِالْإِقْرَارِ أَمَرَهُ الْقَاضِي بِالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بِالْجُحُودِ فَالْقَاضِي يَقُولُ لِلْمُدَّعِي: إنَّ خَصْمَك قَدْ جَحَدَ دَعْوَاك فَمَاذَا تُرِيدُ هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ وَصَاحِبُ الْأَقْضِيَةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ.
وَإِنَّهُ عَلَى اخْتِلَافٍ فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: حَلِّفْهُ، فَالْقَاضِي يَقُولُ لِلْمُدَّعِي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ، عَلَى مَا هُوَ رَأْيُ الْخَصَّافِ وَصَاحِبِ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ فَإِنْ قَالَ: لَا، حَلَّفَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: نَعَمْ لِي بَيِّنَةٌ، فَالْقَاضِي يَأْمُرُهُ بِإِحْضَارِهَا وَيَكْتُبُ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ فِيهِ وَأَنْسَابَهُمْ وَحِلَاهُمْ وَمَحَالَّهُمْ، أَوْ يَأْمُرُ الْكَاتِبَ حَتَّى يَكْتُبَ ذَلِكَ فَإِذَا أَحْضَرَ الْمُدَّعِي شُهُودَهُ يَكْتُبُ الْكَاتِبُ لَفْظَ شَهَادَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ فَإِذَا جَلَسَ الشُّهُودُ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي، وَجَاءَ أَوَانُ الشَّهَادَةِ أَخَذَ الْقَاضِي الْبَيَاضَ وَسَأَلَهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ، وَإِنْ كَتَبَ الْقَاضِي لَفْظَ شَهَادَتِهِمْ بِنَفْسِهِ.
فَهُوَ أَوْثَقُ وَأَحْوَطُ، ثُمَّ يُقَابِلُ الْقَاضِي لَفْظَ شَهَادَتِهِمْ بِالدَّعْوَى فَإِنْ كَانَتْ مُوَافِقَةً لِلدَّعْوَى، وَعَرَفَ الْقَاضِي الشُّهُودَ بِالْعَدَالَةِ يَقُولُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هَلْ لَك دَفْعٌ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ أَمْهِلْنِي حَتَّى آتِيَ بِهِ أَمْهَلَهُ.
وَإِنْ قَالَ: لَا وَجَّهَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُمْ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ يَتَوَقَّفُ.
وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ إلَّا أَنِّي أَطْلُبُ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ إنْ قَالَ: حَاضِرَةٌ فِي الْمَجْلِسِ فَالْقَاضِي لَا يُجِيبُهُ وَلَا يُحَلِّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ وَإِنْ قَالَ: حَاضِرَةٌ فِي بَلْدَتِهِ فَالْقَاضِي لَا يُحَلِّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يُجِيبُهُ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- مُضْطَرِبٌ، وَإِذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةً فَإِنْ كَانَ يَرَى اسْتِحْلَافَهُ حَلَّفَهُ.
وَإِذَا حَلَّفَهُ وَحَلَفَ وَطَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يُعْطِيَهُ رُقْعَةً أَنَّ فُلَانًا ادَّعَى عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَحَلَّفَهُ وَحَلَفَ حَتَّى لَا يُقَدِّمَهُ إلَى هَذَا الْقَاضِي ثَانِيًا، أَوْ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَيُحَلِّفَهُ مَرَّةً أُخْرَى أَعْطَاهُ نَظَرًا لَهُ، وَالْقَاضِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ كَتَبَ ذَلِكَ فِي رُقْعَةٍ عَلَى حِدَةٍ، وَإِنْ شَاءَ كَتَبَ ذَلِكَ فِي الْبَيَاضِ الَّذِي كَتَبَ فِيهِ الدَّعْوَى، وَالْإِنْكَارَ وَكَتَبَ فِيهِ التَّارِيخَ وَأَعْطَاهُ.
ثُمَّ الدَّعْوَى لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ تَقَعَ فِي الْعَيْنِ، أَوْ فِي الدَّيْنِ فَإِنْ وَقَعَتْ فِي الدَّيْنِ، وَالْمُدَّعَى مَكِيلٌ فَإِنَّمَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إذَا ذَكَرَ الْمُدَّعِي جِنْسَهُ أَيْ أَنَّهُ حِنْطَةٌ، أَوْ شَعِيرٌ فَيَذْكُرُ نَوْعَهُ أَنَّهُ سَقِيٌّ، أَوْ بَرِّيٌّ، أَوْ خَرِيفِيٌّ أَوْ رَبِيعِيٌّ وَصِفَتَهُ أَنَّهُ وَسَطٌ، أَوْ جَيِّدٌ، أَوْ رَدِيءٌ، وَيَذْكُرُ الْحَمْرَاءَ، وَالْبَيْضَاءَ فِي الْحِنْطَةِ، وَيَذْكُرُ قَدْرَهُ فَيَقُولُ كَذَا قَفِيزًا؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ تُكْتَالُ بِالْقَفِيزِ وَيَذْكُرُ بِقَفِيزِ كَذَا؛ لِأَنَّ الْقُفْزَانَ تَتَفَاوَتُ فِي ذَاتِهَا وَيَذْكُرُ سَبَبَ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الدُّيُونِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَسْبَابِهَا فَإِنَّهُ إذَا كَانَ بِسَبَبِ السَّلَمِ لَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ وَيُحْتَاجُ إلَى بَيَانِ مَكَانِ الْإِيفَاءِ لِيَقَعَ التَّحَرُّزُ عَنْ مَوْضِعِ الْخِلَافِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ جَازَ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ، وَبَيَانُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ فِيهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَرْضٍ لَا يَجُوزُ التَّأْجِيلُ فِيهِ بِمَعْنَى لَا يَلْزَمُ، وَيَذْكُرُ فِي السَّلَمِ شَرَائِطَ صِحَّتِهِ مِنْ إعْلَامِ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ، وَوَزْنِهِ إنْ كَانَ وَزْنِيًّا، وَانْتِقَادِهِ فِي الْمَجْلِسِ- حَتَّى يَصِحَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وَتَأْجِيلِ الْمُسْلَمِ فِيهِ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ حَتَّى يَخْرُجَ عَنْ حَدِّ الِاخْتِلَافِ وَكَذَا مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِ السَّلَمِ وَيَذْكُرُ فِي الْقَرْضِ الْقَبْضَ، وَصَرْفَ الْمُسْتَقْرِضِ إلَى حَاجَتِهِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لَا يَصِيرُ دَيْنًا عَلَيْهِ إلَّا بِالِاسْتِهْلَاكِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ فِي دَعْوَى الْقَرْضِ أَيْضًا أَنَّهُ أَقْرَضَهُ كَذَا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا فِي الْإِقْرَاضِ.
وَالْوَكِيلُ فِي الْإِقْرَاضِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ وَلَا يَكُونُ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ وَلَا حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِالْأَدَاءِ وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ سَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ يَذْكُرُ شَرَائِطَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ.
لَا يَهْتَدِي إلَى الْعِلْمِ بِشَرَائِطِ الْأَخْذِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِلْقَاضِي حَتَّى يَتَأَمَّلَ فِيهِ الْقَاضِي، إنْ وَجَدَهُ صَحِيحًا عَمِلَ بِهِ، وَإِلَّا رَدَّهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ وَزْنِيًّا يَذْكُرُ جِنْسَهُ فَإِنْ كَانَ ذَهَبًا وَكَانَ مَضْرُوبًا يَذْكُرُ كَذَا دِينَارًا وَيَذْكُرُ نَوْعَهُ أَنَّهُ نَيْسَابُورِيُّ الضَّرْبِ، أَوْ بُخَارِيُّ الضَّرْبِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَيَذْكُرُ صِفَتَهُ أَنَّهُ جَيِّدٌ، أَوْ رَدِيءٌ أَوْ وَسَطٌ.
وَإِذَا ذَكَرَ الْبُخَارِيَّ، أَوْ النَّيْسَابُورِيَّ لَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْأَحْمَرِ؛ لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَوْ النَّيْسَابُورِيَّ لَا يَكُونُ إلَّا أَحْمَرَ وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْجَيِّدِ عَلَيْهِ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ.
وَفِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ إذَا ذَكَرَ أَحْمَرَ خَالِصًا كَفَى وَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْجَيِّدِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ مِنْ ضَرْبِ أَيِّ وَالٍ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى-، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ، وَإِنَّهُ أَوْسَعُ، وَيَذْكُرُ الْمِثْقَالَ مَعَ ذَلِكَ وَيَذْكُرُ نَوْعَ الْمِثْقَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَضْرُوبًا لَا يَذْكُرُ كَذَا دِينَارًا بَلْ يَذْكُرُ كَذَا مِثْقَالًا فَإِنْ كَانَ خَالِصًا مِنْ الْغِشِّ يَذْكُرُ كَذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ غِشٌّ ذَكَرَ كَذَلِكَ نَحْوُ (الده نوهي، أَوْ الده هشتي أَوْ الده ششى) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ نُقْرَةً، وَكَانَ مَضْرُوبًا ذَكَرَ نَوْعَهَا- وَهُوَ مَا يُضَافُ إلَيْهِ- وَصِفَتَهَا أَنَّهَا جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ وَكَذَا ذَكَرَ قَدْرَهَا كَذَا دِرْهَمًا وَزْنَ سَبْعَةٍ، وَهُوَ الَّذِي كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ، وَإِنْ كَانَتْ فِضَّةً غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ ذَكَرَ فِضَّةً خَالِصَةً مِنْ الْغِشِّ إنْ كَانَتْ خَالِيَةً وَيَذْكُرُ نَوْعَهَا كَنُقْرَةِ (طمغاجي) وَيَذْكُرُ صِفَتَهَا أَنَّهَا جَيِّدٌ، أَوْ رَدِيءٌ أَوْ وَسَطٌ وَيَذْكُرُ قَدْرَهَا كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، وَقِيلَ: إذَا ذَكَرَ كَذَا طمغاجي كَفَى وَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْجَيِّدِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ دَرَاهِمَ.
مَضْرُوبَةً، وَالْغِشُّ فِيهَا غَالِبٌ فَإِنْ كَانَ يُعَامَلُ بِهَا وَزْنًا يَذْكُرُ نَوْعَهَا وَصِفَتَهَا وَمِقْدَارَ وَزْنِهَا، وَإِنْ كَانَ يُعَامَلُ عَدَدًا يَذْكُرُ عَدَدَهَا.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْعَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ مَنْقُولًا وَهُوَ هَالِكٌ فَفِي الْحَقِيقَةِ الدَّعْوَى فِي الدَّيْنِ وَهُوَ الْقِيمَةُ فَيُشْتَرَطُ بَيَانُ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ وَالنَّوْعِ وَالْجِنْسِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وَإِنْ كَانَ قَائِمًا فَإِنْ كَانَ بِحَالٍ يُمْكِنُ إحْضَارُهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِحْضَارِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَيْهِ فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ.
وَإِنْ وَقَعَتْ الدَّعْوَى فِي عَيْنٍ غَائِبَةٍ لَا يُعْرَفُ مَكَانَهَا بِأَنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ غَصَبَ مِنْهُ ثَوْبًا أَوْ جَارِيَةً لَا يَدْرِي أَنَّهُ قَائِمٌ أَوْ هَالِكٌ فَإِنْ بَيَّنَ الْجِنْسَ وَالصِّفَةَ وَالْقِيمَةَ فَدَعْوَاهُ مَسْمُوعَةٌ وَبَيِّنَتُهُ مَقْبُولَةٌ.
وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْقِيمَةَ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ قِيمَتَهُ أَشَارَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ إلَى أَنَّهَا مَسْمُوعَةٌ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ أَنَّهُ رَهَنَ عِنْدَهُ ثَوْبًا وَهُوَ يُنْكِرُ قَالَ: تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ: رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ غَصَبَ مِنْهُ جَارِيَةً وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَى تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَتُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالَ: إنَّمَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ إذَا ذَكَرَ الْقِيمَةَ، وَهَذَا الْقَائِلُ يَقُولُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ هَذَا وَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَعْمَشُ يَقُولُ: تَأْوِيلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الشُّهُودَ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ فَيَثْبُتُ غَصْبُ الْجَارِيَةِ بِإِقْرَارٍ فِي حَقِّ الْحَبْسِ وَالْقَضَاءِ جَمِيعًا، وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى صَحِيحَةٌ، وَالْبَيِّنَةَ مَقْبُولَةٌ، وَلَكِنْ فِي حَقِّ الْحَبْسِ، وَإِطْلَاقُ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ.
عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ: إذَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُكَلِّفَ الْمُدَّعِيَ بَيَانَ الْقِيمَةِ فَإِذَا كَلَّفَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ لَا يَعْرِفُ مَا لَهُ فَلَوْ كَلَّفَهُ بَيَانَ الْقِيمَةِ فَقَدْ أَضَرَّ بِهِ، أَوْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى حَقِّهِ، وَإِذَا سَقَطَ بَيَانُ الْقِيمَةِ عَنْ الْمُدَّعِي سَقَطَ عَنْ الشُّهُودِ مِنْ الطَّرِيقِ الْأَوْلَى.
وَإِنْ وَقَعَتْ الدَّعْوَى فِي الْعَقَارِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْبَلْدَةِ الَّتِي فِيهَا الدَّارُ الْمُدَّعَى بِهَا، ثُمَّ مِنْ ذِكْرِ الْمَحَلَّةِ، ثُمَّ مِنْ ذِكْرِ السِّكَّةِ، بَدَأَ بِالْأَعَمِّ- وَهُوَ الْبَلَدُ- أَوْ بِالْأَخَصِّ، وَهَذَا فَصْلٌ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الشُّرُوطِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَبْدَأُ بِالْأَعَمِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَبْدَأُ بِالْأَخَصِّ، وَعِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ بَدَأَ بِالْأَعَمِّ، وَإِنْ شَاءَ بَدَأَ بِالْأَخَصِّ وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ حُدُودِ الدَّارِ بَعْدَ هَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الشُّرُوطِ: يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ فِي الْحَدِّ لَزِيقَ دَارِ فُلَانٍ وَلَا يَذْكُرَ دَارَ فُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَصِيرُ دَارُ فُلَانٍ مُدَّعًى بِهَا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يَدْخُلُ فِي الْمَحْدُودِ، وَعِنْدَنَا كِلَا اللَّفْظَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ فَإِنْ ذَكَرَ حَدَّيْنِ لَا يَكْفِي فِي ظَاهِرِ رِوَايَةِ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ ذَكَرَ ثَلَاثَةَ حُدُودٍ كَفَاهُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.